يعد اليمن البلد الأكثر ضعفا وعرضة للمخاطر وبالتالي الأقل جاهزية في منطقة الشرق الاوسط وشمال إفريقيا للتصدي للتحديات التي يفرضها تغير المناخ، فقد شهدت قدرته على الاستجابة للتحديات المناخية تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الماضي، حيث جاء اليمن في عام 2022 في المرتبة السابعة والعشرين عالميًا واحتل المرتبة الأولى في منطقة الشرق الاوسط وشماشل إفريقيا وفقًا للبنك الدولي.
إن الزراعة أخذت نصيبها الأكبر من تأثيرات التغيرات المناخية في اليمن وتواجه 97% من الأراضي تواجه تهديدًا متزايدًا بالتصحر، ولا سيما زراعة الخضروات حيث تشير التوقعات وفقاً للسيناريو المتفائل الى أن الخضروات قد تتأثر بدرجة كبيرة بتغير المناخ وبالتالي قد يتأثر انتاجها، وتقدر الآثار وفقاً للسيناريو الأكثر تشاءمًا بنسبة تصل الى -19% و-20% وفقاً لتقرير البنك الدولي عن المناخ والتنمية في اليمن 2024.
منطقة الخيامي في مديرية المعافر تشتهر بزراعة الخضروات معتمدة على الري من المياه الجوفية، تأثرت بشكل سلبي بسبب شح المياه والجفاف ونقص هطول الأمطار التي تغذي المياه الجوفية خلال السنوات الأخيرة.
وضع الزراعة في ظل الأزمة
تقول انتصار محمد أحد ساكني المنطقة "أن الزراعة خفت كثيراً بسبب أزمة المياه، حيث انخفض منسوب مياه الآبار الجوفية وتدفق الماء الى الاعلى ضعيف عن قبل، وأصبحت الأرض التي كانت تُروى في ساعة واحدة، تحتاج الآن إلى ساعتين، مما أدى الى ارتفاع تكلفة الري بشكل جنوني من 60,000 ريال إلى 250,000 ريال للساعتين." بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة وشحها، يجعل الزراعة عبئًا لا يطاق على المزارع البسيط".
حيث يجد العديد من المزارعين أنفسهم مجبرين على التخلي عن زراعة الخضروات. تحولت مزارعهم تدريجياً إلى زراعة القات، ليس لرغبتهم، بل بسبب الأزمة المائية الخانقة وقلة الناتج من زراعة الخضروات في ظل التكاليف الباهظة والعوائد المتدنية، تقول انتصار: "المزارع الذي كان يحصل على خمسة أضعاف الناتج، أصبح الآن بالكاد يحصل على ضعفين لتفي تكاليف الزراعة وقليل من المصروف اليومي"
عجز مائي
يرتفع الطلب على المياه في اليمن بـ درجة تفوق قدرة الموارد المائية المتاحة، وبلغ العجز المائي وفق التقديرات نحو 2.6 مليار متر مكعب في عام 2020 ومن المتوقع ان يزداد في 2050 وفقًا للبنك الدولي.
ويشير التقرير الى أن نصيب الفرد السنوي من المياه يبلغ 83 مترًا مكعبًا فقط، وهو أقل بكثير من الحد المطلق البالغ 500 متر مكعب المفارقة تكمن في أن القطاع الزراعي يستهلك حوالي 90% من هذه المياه الشحيحة، ومعظمها يذهب لزراعة القات، المحصول النقدي الذي يستنزف موارد المياه دون أن يسهم بشكل فعال في الأمن الغذائي.
بالإضافة إلى أنه في الظروف الحالية لا تتم تلبية أكثر من 40% من احتياجات الري ومن المتوقع ان ترتفع الى 50% بحلول عام 2050، وتشهد بعض مناطق إدارة المياه في اليمن انخفاض مستويات عدم تلبية الطلب على المياه لأغراض الري بنسبة تتجاوز النصف مقارنة بالمتوسط السنوي.
تدهور الإنتاج الزراعي وتأثيره على المزارعين
يتحدث أحمد محمد، وهو مزارع من منطقة الخيامي، عن الانخفاض الحاد في الإنتاج بسبب تدهور جودة التربة ونقص الأسمدة والمياه اللازمة للري. يقول أحمد: "منسوب المياه نقص بشكل كبير، والإنتاج قل حيث قبل أربع سنوات كان الإنتاج يصل إلى 50 سلة في الأسبوع الواحد أما الآن في وسط هذه الأزمة يتراوح من 20 إلى 30 سلة في الأسبوع الواحد." هذا الانخفاض الهائل في الإنتاج لا يؤثر فقط على دخل المزارعين بل يفاقم أيضًا من مشكلة الأمن الغذائي في البلاد.
انخفاض قيمة الناتج الزراعي بنحو 16% بين عامي 2014-2018، وتراجعت المساحات المزروعة بنسبة 5% والكميات المنتجة بنسبة 7%، فيما زادت المساحة المزروعة بـ القات بنسبة تزيد عن 40% في بعض المناطق خلال الفترة 2016-2021 وفقاً لتقرير البنك الدولي عن اليمن في 2024.
ويشير التقرير إلى أن القات يفرض ضغطًا شديدًا على الموارد المائية المتجددة في اليمن، اذ يستهلك نحو 40% من موارد المياه المتعددة كما يستنزف أكثر من 30% من المياه الجوفية.
وتشير انتصار ايضاً إلى أن من الاسباب لقلة منسوب الماء وجفاف الأرض يعود إلى حفر الآبار بطريقة عشوائية وعدم وجود مساحات قانونية بين الآبار، منوهة الى أن العام القادم قد يتوقف أغلب المزارعين عن الزراعة بسب قلة المياه.
المياه الجوفية التي تشكّل المصدر الرئيسي لأغلب استخدامات المياه في اليمن، ولكنها تفتقر إلى التوصيف والتقييم بشكل دقيق، إذ يؤدي عدم وجود شبكة رصد ومراقبة شاملة إلى نقص حاد في البيانات والمعلومات الإلزمة لاتخاذ قرارات سليمة بشأن الإدارة المستدامة للموارد وتنظيم استخدامها، ويترتب على ذلك استنزاف الموارد بمعدل يفوق بكثير معدل تجددها، مما يؤدي إلى استغلال المياه اشلجوفية واستنزافها بشكل مفرط وتراجع مستمر في مخزونها، فقد شهد منسوب المياه الجوفية انخفاضاً حاداً بمعدل يتراوح بين مترين إلى 4 أمتار كل عام، حيث تتجاوز أعماق الضخ الحالية للآبار 1000 متر،48 في ظل وجود أكثر من 100 ألف بئر خاصة غير مرخصة وغير خاضعة للمراقبة.

اترك تعليقاً