يشهد وادي الأشروح أزمة مائية وزراعية متفاقمة نتيجة التغيرات المناخية التي تضرب مناطق ريفية عدة في اليمن، فبعد أن كانت الأراضي الخضراء تزهو بالمحاصيل وتفيض بالمياه، باتت تعاني اليوم من الجفاف وتراجع الإنتاج، ما يهدد حياة المزارعين ومصدر رزقهم الوحيد.
مزارعون على حافة العجز
على ضفاف الوادي الجاف، يقف المزارع "هائل مقبل" متأملاً أرضه التي ورثها عن أجداده، وقد تشققت تربتها وجفت ينابيعها. يقول بحسرة:
"لم نعد نعرف كيف نزرع، كانت الأرض تعطي ثمارها بوفرة، والآن لا نستطيع تأمين حتى احتياجاتنا الأساسية".
يصف مقبل واقعاً بات مشتركاً بين مئات المزارعين الذين فقدوا أراضيهم أو هجروها، فنقص الأمطار وتغير مواسمها أدى إلى تراجع إنتاج محاصيل رئيسية مثل الذرة والسمسم والدجر، وهي محاصيل كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
تآكل الأراضي وإهمال رسمي
من جانبه، يوضح الشيخ (احد وجهاء المنطة) "سعيد أحمد النمر" أن تدهور الزراعة في المنطقة لا يعود فقط إلى المناخ، بل إلى عوامل مركّبة.
"السيول تجرف الأراضي الزراعية عاماً بعد عام، والمزارعون عاجزون عن إصلاحها بسبب الفقر وتدهور العملة وغياب الدعم الحكومي"، يقول النمر.
ويضيف "أن معظم الأراضي تُترك بوراً بسبب تفاوت الأمطار، ونقص الآبار والسدود التي يمكن أن تحفظ المياه للاستخدام في فترات الجفاف، كما يؤكد أن وزارة الزراعة غائبة تماماً عن مشهد الإصلاح أو الدعم، فلا توجد ميزانيات لترميم الأراضي المتضررة أو إنشاء حواجز مائية".
"المزارع اليمني اليوم يواجه معركة بقاء دون سلاح" يختتم الشيخ النمر حديثه.
أدوات بدائية ومواسم غادرة
في حديث آخر، يوضح المزارع "محمود علي" أن المشكلة تمتد أيضاً إلى ضعف البنية الزراعية واعتماد الأهالي على الوسائل التقليدية.
"نستخدم الحمير والبقر في حراثة الأرض، ولا نملك المعدات اللازمة لبناء مصدات أو إصلاح التربة بعد السيول"، يقول علي.
ويشير إلى أن تفاوت الأمطار يجعل الإنتاج الزراعي غير مستقر، فيما تدفع الهجرة من الريف إلى المدينة إلى مزيد من تراجع الاكتفاء الذاتي، كما أن التقسيم الوراثي للأراضي قلل من الحماس للزراعة .
يدعو علي إلى توفير أدوات زراعية حديثة ودعم تقني للمزارعين كشرط أساسي لإنقاذ ما تبقى من الزراعة في الوادي.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الأرض، فمع تقلص فرص الزراعة، يفقد المزارعون مصادر دخلهم، ويلجأ كثير منهم إلى الهجرة نحو المدن بحثاً عن عمل، هذا التحول يترك أثره النفسي العميق على الأسر الريفية، حيث تتزايد مشاعر الإحباط والعجز أمام واقع مناخي واقتصادي قاسٍ.
تغير مناخي يغير وجه الوادي
الباحث في التغيرات المناخية "حاجب الحاجبي" يشرح أن وادي الأشروح يشهد ظواهر مناخية متطرفة غير مألوفة.
"أصبحت الأمطار أكثر غزارة في فترات قصيرة، ما يؤدي إلى سيول جارفة تدمر التربة والبنية التحتية، بينما ترتفع درجات الحرارة في فترات أخرى، مسببة جفافاً حاداً"، يوضح الحاجبي.
ويضيف " أن فقدان الغطاء النباتي جعل التربة أكثر عرضة للتعرية، فيما تمتد أضرار السيول لمسافات تصل إلى كيلومترين، ما يحول الأراضي الخصبة إلى مناطق قاحلة، كما تسبب تدمير القنوات المائية المستخدمة للري بخسائر كبيرة في المحاصيل، لتكتمل حلقة الأزمة".
دعوات إلى التحرك العاجل
يطالب المزارعون والباحثون بضرورة تدخل الدولة والمنظمات لدعم المجتمعات الزراعية في وادي الأشروح.
ويشدد الباحث "حاجب الحاجبي" على أن الحل يبدأ بتدخلات هندسية عاجلة، مثل بناء سدود صغيرة وخزانات مياه للسيطرة على السيول وتخزين المياه، إلى جانب تعزيز الزراعة المستدامة وتدريب المزارعين على أساليب مقاومة التغير المناخي.
"إذا لم نتحرك اليوم، فإن الغد قد لا يجد أرضاً ليزرعها أحد"، يقول الحاجبي محذراً.

اترك تعليقاً